فخر الدين الرازي
43
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
انقادت ، فالحساب يسمى دينا ، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة تسمى دينا ، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل العلم : الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية . ثم قال تعالى : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وفيه بحثان : البحث الأول : الضمير في قوله : فِيهِنَّ فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس : أن المراد : فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم ، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر . والثاني : وهو قول الأكثرين : أن الضمير في قوله : فِيهِنَّ عائد إلى الأربعة الحرم قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه : الأول : أن الضمير في قوله : فِيهِنَّ عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ الثاني : أن اللّه تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ البقرة : 197 ] فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا ، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف . / الثالث : قال الفراء : الأولى رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة ( فيهن ) فإذا جاوز هذا العدد قالوا ( فيها ) والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع الكثرة ، كما يكنى عن واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قال : يلمعن ويقطرن ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة لقال : تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب فقال بهن والسيوف جمع كثرة . البحث الثاني : في تفسير هذا الظلم أقوال : الأول : المراد منه النسيء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر اللّه بإقامته فيه إلى شهر آخر ، ويغيرون تكاليف اللّه تعالى . والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر . والثالث : أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على المنع من النسيء ، لأن اللّه تعالى ذكره عقيب الآية . ثم قال : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وفيه مباحث : البحث الأول : قال الفراء : كَافَّةً أي جميعا ، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول : كافين ، أو كافات للنساء ولكنها ( كافة ) بالهاء والتوحيد ، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب قولك قاموا معا ، وقاموا جميعا . وقال الزجاج : كافة منصوب على الحال ، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت : قاتلوهم عامة ، لم تثن ولم تجمع ، وكذلك خاصة .